ابراهيم بن محمد البيهقي
132
المحاسن والمساوئ
ولست كذلك ولا هناك ، ثم عرفني الكائن منك في ذلك . فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك ، فراسلت الفتى وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها ، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفا شديدا وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأسا في ذلك ، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصته إلى أبيه يشكو تخلف حاله وقصور يده عما يشتهيه ، فوقع له أبوه بإزاحة علته والتوسعة عليه ، ثم بعث إلى المؤدب فدعاه فقال : قل لابني يرفع إلى قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة المزربان ، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله ، فأمر الملك بإحضار المرزبان وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل ، وجهزها الملك بأجل ما يكون من الجهاز وقال لابنه : إذا أنت خلوت بها فلا تحدثن شيئا حتى آتيك ، فلما كان ذلك دخل الملك على ابنه فقال : يا بني إياك وأن تصغر شأن المرأة عندك فإنها من أعظم الناس منة عليك ، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان عن أمري وبإذني وتدبيري ، فاعرف حقها وحق أبيها وأحسن معاشرتها وبرها ، ثم خرج الملك وخلا الفتى بأهله ، ثم قال ذو الرئاستين : سلوا الآن الشيخ عن السبب الذي حمله على ما أمركم به ، قال : فسألناه فحدثنا بحديث ذي الرئاستين . مساوئ سقوط الهمة قال : وكان القاسم بن الرشيد ساقط الهمة دني النفس ، وكان المأمون على أن يعهد إليه ويؤكد له ما كان الرشيد جعله له من ولاية العهد ، وكان لا يزال يبلغه عنه ما يكره مرة في نفسه وأخرى في حشمه ، قال : فرفع إليه في الخبر يوما إنه قال لقوام حمامه : نوروا الناس بالمجان ، ففعلوا ذلك لم يبق محتاج إلا جاء يتنور ، فلما علم أنهم كثروا أخرج عليهم الأسد من باب كان يدخل منه إلى الحمام فخرج الناس عراة مغمى عليهم مع ما عليهم من النورة هاربين من الأسد فصاروا إلى شارع قصره وقد أشرف عليهم وهو يضحك ، فحدثنا الحسن بن قريش قال : دعاني المأمون وقال : يا هذا مالي ولهذا الفتى ، إلى كم أحتمل منه هذا الأذى ؟ قال : فقلت قوّمه يا أمير المؤمنين إن رأيت في ذلك صلاحا ، قال : نعم ، فقلت : يا سيدي إنه عضو منك وأنت أولى الناس بتقويمه ، قال : فجعل ينهاه ويأبى لا ينتهي ، فلما كثر هذا من فعله عزم على خلعه فكتب إلى هرثمة بن أعين في ذلك كتابا نسخته : أما بعد فإن أمير المؤمنين يستوفق اللّه جل وعز في جميع أموره ويستخيره فيها خاصتها وعامها ، لطيفها وجليلها ، استخارة من يوقن أن البركة وخيرة البدء والعاقبة في قضائه وما يلهمه من إرشاد وتسديد رأي وإثبات صواب ، وقد رأى أمير المؤمنين عندما استخار اللّه تبارك اسمه فيه من أمر القاسم بن